إصدارات

بنايات آلجي قديمة
كمحاربين قُدامى نجوا من الحرب
ليعيشوا طويلا برصاصة ترقد إلى جانب القلب
مع ذلك، فهي تحتفظ بكامل شبابها فأسطحها لا تخلو من الملابس الملوّنة
ومن نساء يصعدن إليها في منتصف النهار
بشَعر مطلوق وتنانير قصيرة
كصورة ممثلة مجهولة، على جدار غرفة مراهق في "عصر الثمانينات"
كما يطلّ من شرفاتها في أوّل الظهيرة، رجالٌ
بجسم غير متناسق
وقميص أبيض داخليّ
يُدعى: "قميص اللحم"
وبكرش يسمّونه الإسبان
La curva de la felicidad
(انحناءة السعادة)
يدخّنون عادة أو يديرون ظهرهم للبحر
البحر الذي لم يعد زرقة في العينين
بل كدمة هائلة خلّفها الغزاة
ليس لديّ ما يكفي من الألم لأكتب شعرا عظيما
،  ليس لديّ ما يكفي من الألم لأموت ميتة عظيمة
، ليس لديّ ما يكفي من الألم لأشتم العالم بشتائم جديدة
، ليس لديّ ما يكفي من الألم لأصرخ في وجهه
، ليس لديّ ما يكفي من الألم لأكون وحيدة
، لهذا فأنا كأيّ إنسان عادي يتألم
، وبقدر ما تحرمني بعوضة من النوم في ليلة صيف قصيرة
يحرمني هذا الألم القليل من الحياة
 
أظن أنه رحل. بابتسامة خجولة ومتعاطفة، وبصوت أقرب إلى الهمس، أخبرتنا الممرّضة بوفاته
ثم أضافت: لكن يجب أن أنادي الطبيب ليتأكّد من ذلك، وكأنها تحاول أن تمنحنا جرعة أمل أخيرة
في كل مرّة كنت أصعد فيها الدرج المؤدّي إلى الطابق الأول، ثم أجتاز الرواق المؤدّي إلى الغرفة 102، كنت أردّد صلواتي المفضَّلة: "كهيعص ذكر رحمت ربك عبده زكريا إذ نادى ربه نداء خفيّا....." كنت أخشى أن ألتقي الموت وجها لوجه، وأنا أعرف أنه يتسكّع في الرواق ذاته. أحيانا كانت تصيبني رعشة خفيفة وباردة حين يمرّ بجانبي
هاجس موت والدي وفقده بالموت، سكنني منذ سنوات، سنوات طويلة، ربما منذ فترة الإرهاب في الجزائر
تقول والدتي: كنت أخشى أن يموت مقتولا، فينمو الحقد وتسكن الكراهيةُ قلوبكم
حين بلغ السبعين وبدأت تصيبه أمراض مختلفة، بدأتُ أراقب تنفسه في كل مرّة أجده فيها نائما؛ ولا أطمئن حتى أرى صدره يتحرّك صعودا ونزولا
في الرواق المؤدّي إلى الغرفة 102، وجدنا الممرّضة وقد خرجت للتو من غرفته. سألناها عن حاله، فقالت أنه مرتاح وينام بهدوء
حين فتحتُ الباب ووقع بصري على صدره، عرفت بأنّه لا يتنفس. أمسكت والدتي يده، كانت دافئة وملساء ولا تشبه الموت في شيء، أما وجهه فكان كمن تخلَّص من نَفَس أخير. ثم طلبنا الممرّضة
عادة، بعد تناوله وجبة العشاء وأخذ جرعته من المسكّنات، كنا نتركه ينام ونرجع إلى البيت، لنعود إلى المستشفى في صباح اليوم التالي. هذه المرّة قرّرنا العودة وزيارته على الحادية عشر ليلا. كنّا كمن يلبي نداءً خفيّا
في قسم الأورام، لا توجد أو قات محدّدة للزيارة. من السخيف تحديد مواعيد للزيارة، وثمّة زائر مألوف قد يقتحم المكان في أي وقت وبلا أدنى استئذان
قالت الممرّضة: كان ينتظركن ليرحل. انتظر نساء حياته ليرحل، والدتي، أختي التوأم، وأنا. غير أنّه رحل في لحظة حميمة مع الموت لم يشهدها أحد. جنّبنا رؤية الموت وجها لوجه. رحل في الدقيقة التي فصلت بين خروج الممرضة من غرفته ودخولنا إليها
رحل بهدوء وحب
كاستينغ
مبتدئ
غير موهوب
لم يمثل في أي فيلم من قبل
لم يمر من بلاتوه أي فيلم من قبل
لم يشاهد أي فيلم من قبل
لا يحب الكاميرا
ولا هي تحبه
بالكاد يحفظ اسمه خلال التصوير
وغير مستعد لاتّباع تعليمات المخرج
يبحث عن الدور
الذي من أجله علق في هذا الفيلم

 
في آخر الممرّ
صدفة أصبح جزءا من صور العابرين...
أشعر بقشعريرة باردة
وبقطرة مالحة تحيلني إلى ضباب
كلّما دخلوا كهوفهم
وأشعلوا قنديلا
ليبحثوا عن أرواحهم السجينة في المرايا
وأنا في تفاصيل الحياة البعيدة
أتسكّع
من وحي نداء قديم

الطرقات تعرفني جيدا
لكنها لا تلوح تلويحة الأصدقاء القدامى
ولا تبتسم كما يفعل الغرباء في اللقاء الثاني

بلا وجه أمشي
دون أن يلتفت المارة
لقد أضاعوا وجههم مثلي
لكن الدروب جميعها تؤدي إلى النهاية
إذ لم تكن صدفة
أننا كنا جميعا هناك

© 2017 by Lamis Saidi